English عربي

دراسات

Print  Email

في ما يسمّى التطرّف

27 أيار, 2015

د. عزمي بشارة

مقدمة

التطرّف واصفًا أيّ فكرة ورأي وسلوك وذوق ومزاج، إذا التزمنا معناه الحرفي بوصفه نعتًا وصيرورة، يفيد الذهاب بتلك الفكرة أو ذلك السلوك إلى الحد الأقصى، وما ينطوي عليه ذلك بالضرورة لناحية الارتباط بين السلوك والقيم من تأكيد بعدٍ واحد في الظواهر المركّبة على حساب غيره. وبهذا المعنى يمكن أن تكون الذات الفاعلة، سواء أكانت فردًا أم جماعة، متطرّفة في عنفها أو سلميتها، وفي تشدّدها أو تسامحها، بل ومن الممكن أن تكون متطرفة في اعتدالها، أو في وسطيتها. وبهذا الربط الأخير يتجلّى عقم استخدام هذا اللفظ حتى بوصفه مصطلحًا، فضلًا عن أن يكون مفهومًا مفيدًا في تحليل الظواهر الاجتماعية.

ولكن حبّذا لو كان التعامل مع المفردة بهذا الإلغاء ممكنًا، فلا يمرّ يوم في حياة الإنسان المعاصر دون أن تتعرّض عيناه أو أذناه للفظَي التطرّف والمتطرّفين، وذلك في وصف مواقف وآراء سياسية، أو في وصف أساليب ومناهج في العمل السياسي. وفي كلّ مرحلة ترتبط هذه المفردة بتداعيات وصور محددة ينشرها الإعلام تتضمن كمًا من الآراء المسبقة وأنصاف الحقائق والافتراضات بخصوص جماعات من البشر توصم بالتطرف.

"
الإرهاب هو فعل سياسي عنيف يقوم به شخص متطرّف أو جماعة متطرّفة. والمتطرف ليس دولة. إذًا لا يمكن أن تكون الدولة إرهابية
"
وفي عصرنا غالبًا ما يُعدّ الفعل العنيف عملًا إرهابيًا إذا قام به من يوسَم بالتطرف. ولا يعدّ نوع الفعل نفسه (قتل المدنيين، وتدمير المنشآت بهدف الترويع) إرهابًا، إذا قام به من لا يُعدّ متطرّفًا أو منتميًا لجماعة متطرفة، حتى كاد هذا يصبح تعريف الإرهاب؛ فالإرهاب في هذا العصر هو الفعل العنيف الذي يقوم به من يُعدّ متطرفًا، حتى لو نفّذه ضد عسكريين، أو ضد قوة احتلال. والفعل العنيف نفسه لا يعدّ إرهابًا إذا قام به من لا يُعرَّف متطرِّفًا. يترتب على نسب التطرف إلى شخص أو إلى قوة سياسية أو إلى فكرة إذًا تبعاتٌ عديدة. لا سيّما أنّه يصعب وسم دول بالتطرف؛ فهي بحكم تعريفها ليست متطرفة. بل هي التي تطلق على الآخرين هذا اللقب.

بهذا المعنى، فإنّ الإرهاب هو فعل سياسي عنيف يقوم به شخص متطرّف أو جماعة متطرّفة. والمتطرف ليس دولة. إذًا لا يمكن أن تكون الدولة إرهابية.

ومثلما ارتبطت هذه الصفة باليمين في صيغة "اليمين المتطرف" في مرحلة ما بين الحربين وصعود النازية والفاشية والعديد من الحركات القومية، وبـ"اليسار المتطرف" في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، وبالحركات الوطنية التي عُدّت متطرفة في المستعمرات مقارنةً بالمتعاونين مع الاستعمار (المعتدلين)، فهي في عصرنا غالبًا ما تثير تداعيات تستحضر صور الإسلاميين الجهاديين على أنواعهم حتى حين لا يذكر الإسلام بصورة صريحة.

هل لكلمة التطرّف مضمونٌ يفيد في فهم عناصر الفكر وبنيته، والآراء التي يحملها من يطلق عليهم هذه الصفة والممارسات التي يمارسونها (جوهرها، وطبيعتها)؟ أم هو تصنيف نسبي؟ فيقاس التطرف نسبةً إلى الاعتدال أو الوسط، أو "التيار الرئيس" في مكان وزمان محددَين، فيحدد التصنيف هذا موقع الظاهرة خارج الإجماع والاتفاق والمقبول اجتماعيًا وسياسيًا، أو على أقصى أطرافه. هل من عناصر مشتركة بين "المتطرّفين" عمومًا، تجعل الصفة هذه مفهومًا يفيد في تصنيف أفكار جماعات وحركات سياسية (أهدافها وأساليبها)؟ أم هو لفظ أو حتى مصطلح مضطرب في علاقته مع مفهومه؟ أم تعبير عن موقف سلبي يصطلح عليه بين أصحاب موقف محدد ويقصي جماعات أخرى خارج المقبول؟

لقد فقدَ هذا التصنيف بموجب الأهداف والغايات شرعيتَه خلال منعطفات تاريخية عدة، عُدّ فيها النضال ضد التمييز العنصري (حركة الحقوق المدنية في أميركا، والمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا)، أو ضد الاحتلال (منظمة التحرير الفلسطينية، وحركات التحرر الأفريقية، والفيتكونغ)، أو ضد الدكتاتورية والظلم عمومًا (الساندنيستا)، تطرّفًا.

وبموجب أساليب العمل السياسي العنيفة (لا سيما باستهداف المدنيين)، خسر التصنيف جزءًا من معناه كلّما تعرّض المدنيون للاستهداف بالقصف الجوي وغيره من جانب دول تعتمد نظامًا ديمقراطيًا ليبراليًا. ومن ناحية أخرى أصبح التطرّف بشكلٍ ما، متعلقًا بحكم تعريفه بجماعة وليس بدولة، وطبيعة صراع هذه الجماعة (تنظيم، حركة، حزب) مع النظام القائم. وبموجب هذين المعيارين تعدّ الوسائل المستخدمة في الوصول إليه إرهابية، حتى لو كانت الوسائل التي تستخدمها الدول لتحقيق أهدافها أكثر عنفًا غالبًا؛ ولو كانت أهداف هذه الدول تعدّ متطرفة إذا تبنّتها جماعة خارج نطاق الدولة.

ليس كلّ من يستخدم وسائل متطرفة مثل قتل المدنيين وترويع الآمنين في عصرنا متطرّفًا أو إرهابيًا؛ فالدولة لم تُعدّ متطرفة أو إرهابية حين قامت بذلك في فيتنام والعراق وغزة ولبنان جزءًا من خطةٍ للترويع، أو ردّة فعل على عمليات قامت بها حركات مقاومة أو حركات إرهابية، بحسب زاوية النظر.


"
تَستخدم دولٌ وقوى وسائلَ متطرفةً في تحقيق أهدافها السياسية، ومع ذلك لا تنطبق عليها فكرة التطرف. وفي المقابل ثمّة قوى سياسية وأفراد يحملون فكرًا يُعدّ متطرفًا، ولكنّهم لا يستخدمون وسائلَ عنيفة في عملهم السياسي
"
في كتابه مدينة الله، استخدم سانت أوغسطين مثال حوار الإسكندر الأكبر والقرصان، لإجراء مقارنة بين من يحتلّ البلدان وينهبها ويُسمّى إمبراطورًا لأنّه يفعل ذلك بأسطول كبير، والذي يغِير على سفنٍ أخرى مستخدمًا سفينة صغيرة، ويسمّى قرصانًا . استخدم أوغسطين هذه الحكاية في الفصل الرابع من الكتاب الرابع من مؤلفه الكبير مدينة الله، وعنوانه "الممالك من دون عدالة تشبه عصابات اللصوص". وهو يؤكّد التشابه بينهما بالاتجاهين، إذا صحّ التعبير؛ فالممالك المنزوعة منها العدالة أشبه بعصابات اللصوص. والأخيرة بحدّ ذاتها تشبه ممالك صغيرة؛ إذ يجمعها "عهد" أو عقد واتفاق، ويحكمها حاكم، ويجري فيها توزيع الغنائم بناءً على قواعد ما. وكي تصبح الكيانات ممالكَ لا تتخلص بالضرورة من الجشع الذي يجمعها بالعصابات، بل تُستثنى من الحكم الأخلاقي وتُمنَح حصانة ، وهذا ما يجعلها ممالك. وبعد أن يؤسس لهذا التشبيه يذكر حكاية القرصان والإسكندر: "عندما سأله الملك ماذا يقصد بالسطو على البحر، أجابه القرصان متحديًا: أنا أفعل ما تفعله أنت حين تسطو على العالم كلّه، ولكن لأنّي أقوم بذلك مستخدمًا سفينة صغيرة أسمّى لصًا، وأنت إمبراطور لأنّك تفعل ذلك بأسطول كبير".

فالدولة القادرة على القصف من الجوّ هي التي تصنّف الآخر إرهابيًا ومتطرفًا. يخرج إذًا من هذا الحقل الدلالي للتطرّف (وصنيعته الإرهاب) الجيوش التي تقوم بتدميرٍ واسع النطاق وأعمال قتل جماعي ضد المدنيين بحجّة أنّها لا تستهدف المدنيين بل الخصم الذي يسكن بين المدنيين (وعليه يتّخذ منهم دروعًا بشرية)، في حين أنّ الإرهابيين المتطرفين يستهدفون المدنيين. والحقيقة أنّ الدول التي ترتكب القصف غالبًا ما تعلم بوجود أولئك المدنيين الذين "لا تستهدفهم"، ما يجعل قتلهم حتميًا وليس ممكنًا فحسب. وهذا بالضرورة يقلّل من جدية حجة عدم الاستهداف هذه؛ والأبلغ من هذا أنّه ثبت أنّ القصف العشوائي غالبًا ما يكون "هادفًا"؛ إذ يقصد أيضًا الرد على عمليات استهداف للمدنيين قامت بها جماعة ما، باستهداف المدنيين لغرض معاقبة ما بات يسمّى "الحاضنة الاجتماعية" لهذه الجماعة، لكي تدفع ثمن احتضانها لها، أو لغرض الترويع بحدّ ذاته (الإرهاب حرفيًا). والترويع هو فعل مقصود. والمدنيون مستهدفون بهذا المعنى.

تَستخدم دولٌ وقوى وسائلَ متطرفةً في تحقيق أهدافها السياسية، ومع ذلك لا تنطبق عليها فكرة التطرف. وفي المقابل ثمّة قوى سياسية وأفراد يحملون فكرًا يُعدّ متطرفًا، ولكنّهم لا يستخدمون وسائلَ عنيفة في عملهم السياسي. وما دام  يُذكر الإسلاميون في معرض الحديث عن التطرف، فالمثال على الحالة الأخيرة هو وجود العديد من الحركات السلفية التي تحمل ما يُعدّ فكرًا متطرفًا على مستوى الفكر المحض، لكن أساليبها سلمية، مثلما يوجد شيوعيون لا يستخدمون وسائل تُعدّ متطرفة.

هل يمكن تجاوز هذه النسبية في التعامل مع التطرّف بحسب المكان والمرحلة التاريخية من منظور ذلك الذي يقوم بالتصنيف ومصلحته؟

لا ندري إذا كانت محاولة الإجابة عن هذا السؤال سوف تكون مفيدة؛ فربما تكفي معالجة مضمون الفكر السياسي الذي يشمل الأهداف المسمّاة "متطرّفة" والأساليب التي تعدّ أيضًا كذلك في كلّ حالة على حدة، وذلك دون حاجة إلى مثل هذا الوصف. فيكفي أن يتّخذ الناس مواقفَ من قيم أيّ حركة أو أفكارها، أو أن يقيّموا مدى واقعية أهدافها ومقبولية أساليبها في كلّ مرحلة، دون الحاجة إلى هذا التصنيف الجارف، ومن دون هذا التمييز بين معتدلين ومتطرفين، والذي تحوّل بحدّ ذاته إلى أداة أيديولوجية في الصراع. وفي علاقات القوة السائدة قد يندرج هذا التصنيف ضمن تبرير سياسات قمعية والتمهيد لها. وربّما نطرح خلال هذه العملية فكرة ذات معنى، أو قد نستفيد على الأقل من التحليل في الطريق إلى مقاربة الجواب عنها، دون أن نصل إلى إجابة بالضرورة.

وبرأينا، لا يوجد معيار علمي موضوعي للتطرّف. ولكن قد تصبح هذه المقولة ذات قيمة إذا ما جرى التعامل معها من منطلق أخلاقي؛ بمعنى أنّ الأحكام السياسية تقع في إطار العقل العملي وتتضمن بعدًا أخلاقيًا، هو الوحيد غير النسبي فيها؛ فالمعايير الأخلاقية الكونية، إذا وُجدت، يمكن أن تمنح الاعتدال والتطرف مضمونًا ما، بغضّ النظر عمّن يقوم بهما، لا سيّما أنّه يكمن خلف كلّ دلالات التطرف القائمة برأينا نفور من ممارسات الآخر وأفكاره. ولكن قلّما ينطبق هذا النفور على أفكار "نحن" وممارساتهم. والموقف الأخلاقي فقط يمكن أن يُخضع "نحن" للمعيار ذاته. إنّ الموقف الأخلاقي المتجاوز، أي المتعالي على الظرف والمصلحة، هو الذي يمكنه أن يسم بالتطرف أفكارًا قائمة في الطرف الذي ينتمي إليه صاحبه، وكذلك ممارسات يقوم بها الطرف نفسه، سواء أكان فردًا أم جماعة. ولهذا سنحاول في نهاية العرض أن نقدّم اقتراحًا بديلًا لتعريف التطرّف يحرّره إلى حدٍ ما من هذه النسبية، ويُكسبه قيمة معرفية ما.

الراديكالية والتطرّف

لا تشير الراديكالية إلى منظومة محدّدة من الأفكار والحجج، وإنّما قد تصف أيّ أفكار أو تيارات تناهض الأفكار والنظم المتفق عليها أو التي أصبحت مقبولة وتعدّ موضع إجماع واتفاق في المجتمع. الراديكالية Radicalism من اللاتينية Radix وتعني الجذر. وقد استُخدم اللفظ في القرن الثامن عشر في وصف مؤيدي الحركة الراديكالية، ولا سيّما في سياق النقاش حول إصلاح راديكالي وصولًا إلى حق الاقتراع العام. وأوّل من استخدمه بما يفيد هذا المعنى هو تشارلز جيمس فوكس من "تيار الويغز" في البرلمان البريطاني عام 1797؛ أي إنّ اللفظ استُخدم بمعنى إيجابي في وصف الذات. ولا يمكننا تأكيد فكرة "أوّل من" هذه التي تُستخدم في بعض المعاجم والموسوعات؛ فمن غير المتحقق إذا كان هذا "أوّل من" استخدمها فعلًا. وليس الأمر مهمًا برأينا؛ فالأهمّ هو أنّ تيارًا كاملًا، يُعدّ فوكس  من أبرز رموزه في الـ"ويغز"، طالب بمنع المتاجرة بالعبيد، وتعاطف مع الوطنيين الأميركيين ضد الحكومة في لندن، وتضامن مع أهداف الثورة الفرنسية، ورفض الحرب ضد فرنسا، سمّى نفسه راديكاليًا. ولا شكّ في أنّ ما كان يُعدّ راديكاليًا حتى القرن الثامن عشر (مطلب تطبيق حق الاقتراع العام)، أصبح تيارًا رئيسًا، وموضع اتفاق اجتماعي، ويكاد يكون مسلّمًا به في البلد ذاته حاليًا. ولكن غالبية هذا التيار الراديكالي، لم تستخدم أساليب راديكالية بمقاييس عصرها، وظلّت قادرة على العمل من أجل هدف راديكالي بالأساليب المقبولة في الوضع القائم.

"
الراديكالية السياسية بحدّ ذاتها دون ربطها بتيار سياسي أو أيديولوجي محدّد، توجّهات تسعى إلى تغيير المجتمع ونظام القيم بصورة جذرية. وهذا يعني أنّ الهدف هو الراديكالي
"
وتستخدم المفردة بدلالات موجبة في وصف النهج والمقاربات التي لا تكتفي بالسطح وتتعامل مع جذر القضايا. وهذه هي مقاربة ماركس في "مدخل لنقد فلسفة الحق عند هيغل"؛ إذ رأى "أن تكون راديكاليًا تعني أن تمسك بالشيء من جذوره" . ولكنها تعني في سياقات أخرى التمسك بالأسس والمبادئ الأولى، أو التطابق بين المبدأ النظري والبرنامج العملي. ولكنّها قد تستخدم سلبيًا فقط في حالة إلصاق الصفة بأفكار الخصوم وآرائهم فتغدو في هذه الحالة رديفًا للتطرف؛ ففي معجم كامبريدج مثلًا تعني الراديكالية أن يحمل الإنسان معتقدات وآراء ترى الغالبية أنّها غير عقلانية وغير مقبولة. وفي معجم أوكسفورد الكبير نجد تاريخ الكلمة في الفيلولوجيا وغيرها بمعنى الجذر... ونجدها في التخصصات كافة بمعنى الأساسي، والجوهري، والعميق... وفي السياسة الراديكالي هو "المدافع عن الإصلاح الراديكالي... الذي يحمل أكثر الأفكار تقدّمًا عن الإصلاح على المسار الديمقراطي. في القرن التاسع عشر استُخدمت التسمية للفرع المتطرف من الحزب الليبرالي. وحاليًا تعني بصورة عامة من يدافع عن أيّ تغيير سياسي أو اجتماعي شامل، من ينتمي إلى الفرع المتطرف في حزب من الأحزاب... مُنتمٍ إلى جناحٍ يساري أو ثوري".

وفي فرنسا القرن التاسع عشر، خاض الحزب الراديكالي الاشتراكي الصراع مع اليمين في الجمهورية الثالثة بطرقٍ ديمقراطية سلمية؛ فمنذ الحروب النابليونية وحتى عام 1848 أصبح من الصعب أن تُسمّي قوى سياسية نفسها جمهورية، لذلك سمّى الجمهوريون أنفسَهم راديكاليين، ولا سيّما أنّهم عمومًا طالبوا بتطبيق حقّ الاقتراع العام للرجال. وفي عام 1869 كان الفصيل الذي اتّخذ تسمية "الراديكاليين" بقيادة جورج كليمنصو  يرى نفسه مكمل طريق الثورة الفرنسية. وأسّس هؤلاء فيما بعد الحزب الاشتراكي الراديكالي الذي شكّل أساس (تكتل اليسار) إبان سنوات الجمهورية الثالثة.

ومن الواضح أنّ الراديكالية لا تتعلق بالموقف الجذري فحسب، بل أيضًا بعملية موضعة الموسوم بها خارج المتفق عليه اجتماعيًا وسياسيًا في ظل هيمنة أفكار وقيمٍ في مرحلة محددة. فما كان يُعدّ راديكاليًا (بمعنى المتطرف، وخارج التيار الرئيس) حتى نهاية القرن الثامن عشر، لا يُعدّ كذلك في عصرنا؛ إذ أصبح مسلّمًا به.

وشهدت الفترة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهي الفترة الواقعة بين السنوات 1918 و1939، انفجار براكين من الراديكالية؛ فنشأت أحزاب وسياسات راديكالية يمينية ويسارية، وذلك بتأثير كوارث الحرب والانتصارات والهزائم وصدمات تكنولوجيا الحرب وصعود الرأسمالية المتوحشة وأزماتها المالية، واستنتاج فئات واسعة من الطبقات الاجتماعية سلبيات الفردية التي أنتجها النظام الرأسمالي، فنشأت تيارات تعِدُ بعالمٍ من دون استغلال ومن دون حروب ومن دون جوع ومن دون فقر، وأخرى تعيد الاعتبار للأمّة والقومية بديلًا من الجماعة المنحلّة. كانت أنماط الراديكالية في هذه المرحلة جماعية تعاضدية (كوربوراتية). وطرحت بدائلَ على شكل أنظمة شمولية شيوعية وفاشيّة وغيرها. ولم تنتشر أشكالها وصيغها وأفكارها وطقوسها في أوروبا فحسب بل في كثير من البلدان الأخرى، ومنها البلدان العربية، لا سيّما مصر وسورية ولبنان والعراق.

وبعد الحرب نشأت أشكال أخرى من الراديكالية مرتبطة بالحرب الباردة والصدمة من الأنظمة الشمولية وغير ذلك، ولا سيّما الأفكار النيولبرالية المتطرفة في تأكيدها على السوق الحرة والحريات الفردية. وفي مقابلها نشأ اليسار الجديد "ما بعد المادي"، والمتأثر بعلم النفس التحليلي والفلسفة الوجودية وغيرها.
ومع تفجّر الصراع ضد الاستعمار والممارسات الكولونيالية، ظهرت أيضًا تيارات راديكالية معادية للاستعمار والعنصرية اتّخذت في كثيرٍ من الحالات أشكالًا تتعلّق بالتشديد على الفرق والهويّة أكثر ممّا تشدّد على المساواة والاستقلال. وحصل مثل هذا التأكيد على الفرق والاختلاف في الحركات النسوية الراديكالية التي ذهبت بعيدًا في تأكيد الفرق وليس المساواة.

وفي نهاية القرن الماضي، ظهرت بقوّة الحركات الأصولية الإسلامية الجهادية كما ظهر المحافظون الجدد في الغرب. ويجمعهم جميعًا العودة إلى الأسس وعدم القدرة على القيام بحلول وسط وتسويات؛ فالمحافظون الجدد يحاولون العودة إلى أسس الليبرالية الغربية وأسس النظام الرأسمالي وأسس التنوير الذي يعدّ النظام الديمقراطي الغربي ملائمًا لكلّ البشر، ويكاد يكون مطبوعًا فيها دون الأخذ في الحسبان الظروف التاريخية والاجتماعية. ويعود بعض تيارات الأصولية الإسلامية أيضًا إلى ما يفترضه أسسًا ومبادئ يفرضها على الواقع المركّب، وإلى ماضٍ يفترضه من زاوية نظر موقفه من الحاضر ليواجه به الواقع الذي يرفضه في الحاضر؛ وذلك دون قدرة على صنع تسويات مع الذات ومع الآخر. في حين يعود بعضها الآخر إلى الأصول لغرض تجاوز التقليد وتكييف الثقافة الإسلامية مع الحداثة. ويسمّى هذا التيار الأصولي إصلاحيًا.

المقصود بالراديكالية السياسية بحدّ ذاتها دون ربطها بتيار سياسي أو أيديولوجي محدّد، توجّهات تسعى إلى تغيير المجتمع ونظام القيم بصورة جذرية. وهذا يعني أنّ الهدف هو الراديكالي. ولكن يتبين لنا تاريخيًا أنّ الحركة ذات الأهداف الراديكالية قد تلجأ غالبًا (وليس دائمًا) إلى الأساليب والسلوكيات الراديكالية. وذلك لسببين:
  1. إنّ المزاج السياسي الذي يتقبّل الفكر الراديكالي ويعرّض صاحبه لتقبّل مثل هذا الفكر بسهولة، هو نفسه الذي يحدد الأسلوب.
     
  2. إنّ رفض القوى السائدة في الدولة والمجتمع التغيير الجذري، لا يُبقي مجالًا إلا للتعديل والتكيّف، أو التراجع والانكفاء، أو الصدام لمن لا يصل إلى هاتين النتيجتين.
وحين يتعلم أصحاب فكر راديكالي (يهدف إلى تغيير الوضع القائم بصورة جذرية) من التجربة أن يأخذوا في الحسبان الواقع السياسي والاجتماعي القائم، ويتجنبوا الصدام الشامل معه، فإنّهم يلجأون إلى أساليب مختلفة. وغالبًا ما تبدأ الصيرورة في تعديل الأساليب للتكيّف مع الواقع. وتجبرهم هذه الأساليب ذاتها على أن يغيّروا أهدافهم، إمّا شرطًا موضوعًا سلفًا في العمل السياسي، أو لأنّ الأدوات غالبًا ما تؤثّر في الأهداف وتعيد صوغها، عند الجيل الثاني من حملة هذه الأهداف على الأقلّ.
وإذا كان المقصود بالراديكالية السياسية، بحدّ ذاتها دون ربطها بتيار سياسي أو أيديولوجي محدّد، توجّهاتٍ تسعى إلى تغيير المجتمع ونظام القيم السائد فيه بصورة جذرية، فهذا يعني أنّ الهدف الذي تسعى إليه هو الراديكالي. وتختلف الحركات الراديكالية فيما بينها أيضًا بشأن الأساليب المتَّبعة للوصول إلى الهدف الراديكالي؛ فقد تؤدي راديكالية الهدف إلى العزوف عن العمل السياسي، أو الاعتكاف في الفكر والأدب وغيرهما؛ وقد تؤدي إلى البحث عن أساليب مقبولة وتبنّيها. وغالبًا ما يُطلق وصف "التطرف" على من لا يتمكّنون من الجَسْر بين الهدف والواقع القائم، فيلجأون إلى استخدام أساليبَ عنيفة.

"
يمكن أن تتحوّل العقلانية نفسها إلى راديكالية إذا تعاملت مع نفسها بوصفها منظومة حقائق مطلقة. حتى العقلانية بمعنى قبول المقولات المثبتة فقط، والمنسجمة ضمن منظومة متماسكة منطقيًا، قد تشكّل سياقًا ملائمًا للتطرف المبرّر عقلانيًا
"
ثمّة حالات تطلق فيها صفة راديكالي على فكرٍ بعينه؛ فيقال ديمقراطي راديكالي في حالة تأكيد السيادة الشعبية والديمقراطية المباشرة وربط الديمقراطية السياسية بالاجتماعية ، أو يساري راديكالي، بمعنى الإصرار على مبدأ المساواة ورفض اقتصاد السوق بالكامل. وانتشرت مؤخرًا أيضًا مصطلحات في وصف تيارات تنويرية ذهبت بالاحتكام إلى العقل إلى أقصى استنتاجات ممكنة، وذلك في التأريخ لـ"تنوير راديكالي"، أو في تسمية تيارات فلسفية أوروبية تمردت على السلطة والتقاليد وديانات الوحي في نهاية القرن السابع عشر والثامن عشر في أوروبا "التنوير الراديكالي" ، مثلما يؤرخ لحركات الإصلاح الراديكالية في البروتستانتية، والتي تعدّ بعشرات الفرق والطوائف والكنائس التي انشقت عن الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر وما بعده، والتي يجمع بينها تعميد البالغين (وليس الأطفال) وعدّ الكنائس عقدًا بين مؤمنين بالغين، وليست مسألة جسدية تتمّ بالولادة ذاتها ورفض استخدام تعميد الأطفال مثل الختان عند اليهود في الطفولة. ومنها العنيفة والسلمية. ولكن تحاول جميعها أن تعود إلى مبادئ المسيحية الأولى من دون وساطة الكنائس الممأسسة وكهنوتها ولاهوتها.

الراديكاليون هنا هم الذين يعيدون المسائل الاجتماعية والسياسية المركّبة إلى مبادئ أساسية في الفكر، ويتّخذون من هذه المسائل المركّبة مواقف بناءً على المبادئ الأساسية. ويعدّون التطورات التي طرأت على هذا الفكر انحرافًا عن هذه المبادئ، وتضحية بالجوهر. أو هم الذين يتميزون عن غيرهم في المعسكر الفكري أو السياسي عينه بأنّهم يقودون الفكرة إلى الاستنتاجات القصوى المترتبة عليها، ويسمّون الأشياء بأسمائها دون مواربة.

ويمكن أن تتحوّل العقلانية نفسها إلى راديكالية إذا تعاملت مع نفسها بوصفها منظومة حقائق مطلقة. حتى العقلانية بمعنى قبول المقولات المثبتة فقط، والمنسجمة ضمن منظومة متماسكة منطقيًا، قد تشكّل سياقًا ملائمًا للتطرف المبرّر عقلانيًا. وهو ما وصل إلى ذروته إبان الثورة الفرنسية في نوع من دين العقل وعبادة "الكائن الأسمى" وتحويل الكاتدرائيات والكنائس إلى" معابد" له، أو في تعليم الإلحاد العلمي كما في الاتحاد السوفياتي السابق، أو في إصدار قوانين تحمل بالحرف مكافحة الدين كما في تجربة ألبانيا الشيوعية... إلخ. ويقود التعامل مع العقلانية بوصفها منظومة مغلقة إلى عدّها منظومة مطلقة. يتأسس على هذا مواقف إقصائية ترفض أيّ رأيٍ آخر بوصفه غير عقلاني وغير علمي. وليس هذا فحسب، فقد نشأت تاريخيًا حركاتٌ كبرى تسعى إلى فرض الأفكار على المجتمعات بصفتها نظريات علمية في إعادة هندستها وتصميمها بموجب قوانين، كما حصل في حالة الحركة الشيوعية التي عدّت فكرها علمًا، والنازية أيضًا التي عدّت الموقف العرقي نظرية علمية.

إنّ العقلانية المحصّنة ضدّ هذا النوع من التطرف "العقلاني" (أو من لاعقلانية العقلاني)، هي مجموعة وسائل نقدية منفتحة تساعدنا في حلّ المشكلات . وإنّ الموقف الأكثر ميلًا إلى العقلانية هو الموقف الذي صِيغ صوغًا منفتحًا للنقد. احتكار الحقيقة المطلقة، سواء أكان نمط الاحتكار هذا عقلانيًا أم غير عقلاني، يقود إلى التطرف؛ بمعنى عدم التسامح ورفض الرأي الآخر؛ فالإصرار على منظومة من عدة مبادئ علمية أو دينية أو غيرها تصلح لحلّ جميع المشكلات، يقود إلى خلق مشاكل ناجمة عن محاولات فرض هذه المبادئ، وذلك بعد تفسير الظواهر الاجتماعية بموجبها.

هنا نصل إلى الموقف الذي يحاسب التطرف من زاوية الموقف الديمقراطي، فيصنّفه بوصفه رفض التعددية والتسامح؛ فبحسب بويل يمثّل الحزب السياسي المتطرّف مطلبًا لتغييرٍ جذري في المجتمع نحو رؤيةٍ مستقبلية ما يحملها هذا الحزب أو ماضٍ مثالي، وعمومًا تحيد هذه المطالب عن الإجماع القائم . وبحسب ليبسيت Lipset وراب Raab، التطرّف هو الموقف الأحادي المعادي للتعددية. إنّه قمع الاختلاف والانحراف وإغلاق سوق الأفكار وعدّ الفرق والازدواجية والفجوات أمورًا غير شرعية.

هذا هو الموقف المتطرف من زاوية نظر منظّري الديمقراطية الليبرالية. وهو على درجات؛ فمنه أنماط تتعايش مع وضع التعددية القائم، وذلك إمّا لأنّها غير قادرة على فرض أفكارها، أو لأنّها مقتنعة بأنّ رأيها حقيقة، ولكنّها تقبل بحق الآراء الأخرى في التعبير عن ذاتها، ولو كانت خاطئة. ويصعب بالضبط تشخيص الحالة نظريًا. هل يقبل من يعدّ متطرفًا بالتعددية إلى حين التمكّن من الانقلاب عليها، أم تذوّتها فعلًا من خلال ممارستها من دون أن يتخلّى عن أيديولوجيته؟ فهذه مسألة عملية تحتاج إلى المشاهدة واستقراء الحقائق ولا تحلّ بالاشتقاقات النظرية وحدها.

وفي حالات محددة يؤدي التطرف، بمعنى عدم القدرة على صنع الحلول الوسط، إلى الحرب الأهلية إذا تبنّته قوى سياسية وازنة. لقد أدّى عجز الساسة الفرنسيين، ولا سيّما الشيوعيين وممثّلي المستوطنين في الجزائر، عن التوصّل إلى تسوية أو حلّ وسط بشأن الجزائر، إلى إحباط أيّ خطة عمل. وقد أدّى ذلك إلى الوصول بفرنسا إلى حافة الحرب الأهلية. وعمومًا يمكن القول إنّ الحروب الأهلية هي نتاج عدم قدرة القوى الاجتماعية والسياسية على الوصول إلى تسويات. ولهذا فإنّ سيطرة التطرّف على قوى اجتماعية رئيسة مقررة تعني احتمال نشوب حرب أهلية. وهذا ما نشهده منذ الاحتلال الأميركي للعراق، وشهدناه في لبنان في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته. ويمكن أن نعكس الآية، فنقول: إنّ المتطرف هو ذلك الذي يرفض التسويات التي تمكّن من العيش المشترك، والذي يعلم أنّ رفضه هذا قد يؤدي إلى حرب أهلية. والقيادات السياسية العراقية هي مثال على ذلك دون شكّ.

ويمكن التمييز بين التطرّف غير المعادي للتعددية، والذي يذهب حتى النهاية في الدفاع عن موقفٍ معيّن دون كمّ أفواه الآخرين ودون احتكار الحقيقة، والتطرّف الذي يحتكر الحقيقة ويرفض التعددية . فثمة تيارات متطرفة بمعنى أنّها مثابرة وتلاحق الحقيقة حتى النهاية وترفض أيّ مساومات على الحقيقة، ولكنّها لا ترضى بقمع الرأي الآخر وتقبل بقواعد التعددية، وترى التسامح في التعبير عن الرأي الآخر أفضل من قمعه.

لقد نشأت في أوروبا وغيرها أحزاب يمينية متطرفة جديدة تؤكّد القومية الاثنية المشتقّة من أساطير الماضي. وغالبًا ما ركّزت برامجها السياسية على ضرورة تقوية الأمّة؛ وذلك بتأكيد تجانسها الإثني وعودتها إلى القيم التقليدية. وعمومًا تعدّ حقوق الفرد ثانوية بالنسبة إلى أهداف الأمّة، وغالبًا ما تركّز هجومها على النخب الليبرالية ووسائل الإعلام التي تضع مصالح الآخر أو الأنانيات الذاتية فوق مصالح الأمّة.

يتبنّى قسمٌ من هذه الأحزاب العمل في إطار النظام الديمقراطي، وإن كان يهدد بإجراءات ضد الأجانب حين يصل إلى الحكم. ولكن ثمة آليات مؤسسية رسمية ومجتمعية تمنعه من تحقيق جزء كبير من أفكاره في حالة الوصول إلى الحكم. بعضها يتكيّف مع هذه الحقيقة بالوجود على أطراف النظام التعددي، وبعضها يرفضها ويغادر العمل السياسي الشرعي.

ويجب تمييز مثل هذه التيارات عن الموقف المتطرّف المعادي للتعددية. وبهذا المعنى فإنّ كلمة تطرّف لا تفي بالغرض وتطمس الحدود بين الظواهر أكثر ممّا توضحها.

ليس في اللغة العربية مصطلحان منفردان لترجمة لفظَي Extremism، وRadicalism. ولذلك غالبًا ما نستعيض عن ترجمة الثاني بتعريبه إلى "راديكالية". ويُستخدم الأول بإسقاطات سلبية عند تصنيف ما هو غير مقبول وخارج الإجماع، وحتى "غير عقلاني"، وذلك في مقابل الوسطية، والاعتدال، والتيار الرئيس، وغيرها من التعبيرات التي اصطُلِح عليها للدلالة على المقبول والموافِق والمجمع عليه، بمعنى الأفكار المهيمنة في الوضع القائم، والتي تكرّسه في آن؛ أمّا الثاني  فمشتق من اللاتينية بمعنى الجذر كما أسلفنا. الراديكالي بالأصل هو الجذري.

وسنتعامل في هذه الورقة مع التطرف ترجمةً لـ Extremism، من دون فصل عن راديكالية الخصوم السياسيين، والتي تكاد تحمل المعنى ذاته. فالثقافة المهيمنة التي تسمّى التيار الرئيس في أيّ مجتمع غالبًا ما لا تميز بين الراديكالية والتطرف؛ فهي ترى من الطبيعي أن تعدّ كلّ من يرفض الوضع القائم ويهدف إلى تغييره جذريًا متطرفًا، بمعنى الإقصاء من العادي والمقبول والمتفق عليه، والذي غالبًا ما يُعدّ "العقلاني" أيضًا.

نتناول التطرف ترجمةً للّفظ الأول، والذي يتقاطع مع الثاني في حالة ذمّ الخصوم السياسيين، أو من يجري إقصاؤهم في عملية إعادة إنتاج فهم المجتمع لذاته في مرحلة من المراحل عبر الثقافة السياسية السائدة، أي تلك التي تعبّر عن القادرين على تصنيف من يقع خارجها ومن يقع داخلها. وهذا النبذ وهذا الإقصاء هما جزء من تعريف "نحن" الناتجة من هذا الفهم الذاتي. إنّه الاسم الذي يلصق بما هو مختلف ومتحدٍّ لما هو قائم إلى درجة إخراجه منه. إنّه بما هو كذلك من صفات الحياة المعاصرة مثل "الوضع القائم" بأيّ تعريفٍ له، بمعنى أنّ التطرّف هو التعبير عن الأشكال الحادة من تحديات الوضع القائم. وهي الأشكال غير القادرة على صنع جسورٍ انتقالية إليه أو معه، أو منه إلى أهدافها، والتي تحوّل عدم القدرة هذه إلى رفض صنع الجسور والمراحل الانتقالية.

وبرأينا ثمة مساران رئيسان من "التطرف" بهذا المعنى: يتمثّل الأوّل بعدم إمكانية صنع جسور مع الوضع القائم. هذه الجسور هي التي تسمّى التسويات والحلول الوسط والقابلية للعيش مع التناقضات القائمة في الحياة الاجتماعية. ويتمثّل الثاني بعدم إمكانية مرحلة أهداف الجماعة أو الحركة السياسية، أو جعلها قابلة للتقسيم؛ من دون أن يعني هذا أنّ مسؤولية ذلك تعود بالضرورة إلى الجماعة التي ينسب إليها التطرف؛ فأحيانًا يُصوّر خصومٌ بوصفهم متطرفين، بمعنى متعصبين غير عقلانيين ولا يمكن التفاوض معهم، أي لا يمكن التوصّل معهم إلى حلولٍ وسط. ويكون الدافع من وراء إطلاق هذا الوصف هو إدراك أنّهم خصوم خطيرون ومؤثّرون، وعليه يجب نزع الشرعية عنهم لكي لا يجري التفاوض معهم، ومن هنا عدّهم متطرفين.

لا تحمل التصنيفات أعلاه بعدًا أخلاقيًا مطلقًا؛ فهي تصف موقع المتطرّف نسبيًا أو جوهريًا دون أن تمنح ذلك بعدًا أخلاقيًا، سوى ذلك البعد القائم أصلًا في دوافع التصنيف برؤية الآخر شريرًا، وتصويره متطرفًا لأنّ التصنيف هذا يثير تداعيات سلبية. ولكن المصنّف متطرّفًا قد يردّ كما ردّ السيناتور باري جولدووتر الذي صنِّف متطرفًا في السياسة الأميركية في ستينيات القرن الماضي، حين قال في مؤتمر الحزب الجمهوري 16 تموز / يوليو 1964 "إنّ التطرّف في الدفاع عن الحرية ليس رذيلة... والاعتدال في السعي للعدالة ليس فضيلة" . في حينه عُدّ جولدووتر متطرفًا بتأكيده الموقف الاقتصادي المحافظ وتأكيد حقوق الولايات، والموقف القومي الانعزالي من قضايا العالم في السياسة الخارجية. تضيع النسبية هنا البعد الأخلاقي. فهو يغيب في كثرة تأكيد طرفين متنازعين؛ فالمتهم بالتطرف قد يتباهى بتطرفه بالخير، وقد يتّهم القوى التي تفرض عليه هذا الوسم بأنّها هي ذاتها قوى الشر.

"
السؤال الكبير الذي تواجهه المجتمعات المعاصرة في مسألة التطرف، هو: كيف تصل جماعات من البشر إلى درجة قطع الجسور مع الواقع القائم، ومواجهته بأساليب عنيفة؟
"
ويُطلق صفةَ التطرّف أو نعته منافسون في المعسكر نفسه داخل حركة وطنية مثلًا أو اجتماعية سياسية (حركات يسارية، أو اشتراكية، أو ليبرالية) أو في إطار التيار الديني، أو الحركات ضد مناهضة العنصرية على أطراف سياسية؛ ففي كثيرٍ من الحالات يتبنّى تيّار معيّن صفة الاعتدال وينأى بنفسه عن صفة التطرف التي يُطلقها عليه الخصم لكي يصبح طرفًا شرعيًا وقابلًا للاحتواء في عملية تفاوض. في هذه الحالة تقع الفئات التي تتبنّى صفة الاعتدال في مجازفة عدّها غير مشروعة من قبل جمهورها؛ بمعنى أنّها صنيعة الخصم الذي يعاديه هذا الجمهور، مثل قوات الاحتلال أو السلطة المهيمنة أو غير ذلك. فتنشأ جدلية مهمة يستفيد فيها "المعتدلون" من أعمال "المتطرفين"؛ إذ ترتفع أسهمهم عند الخصم، ويصبح من مصلحته تمكينهم بتقديم بعض التنازلات لهم  لإضعاف المتطرفين شعبيًا. فمن شأن هذه التنازلات أن تسهم في تمكين "المعتدلين" في مجتمعهم بوصفهم يحلّون مشاكل عينية للناس ولا يكتفون بالشعارات. تترافق هذه العملية عمومًا مع تهميش القضايا السياسية في حياة الناس، والتركيز على مشاكلهم الحياتية اليومية. يستفيد المعتدلون غالبًا عند الفئات المضطَهَدة من وجود المتطرفين، لأنّ وجودهم قد يدفع القوة المضطَهِدَة سواء أكانت دولة أم طبقة أم غيرها لمكافأتهم على اعتدالهم لإضعاف المتطرفين. وهذا ما حدث بوضوح في حالة الفهود السود في الولايات المتحدة وعلاقتها الجدلية بحركة الحقوق المدنية . وكانت عمليات حركة حماس في نهاية الانتفاضة الأولى من أهمّ الأسباب التي دفعت رئيس الوزراء في حينه اسحق رابين إلى الاعتراف بمنظمة التحرير الذي كان من محرّمات السياسة الإسرائيلية (مقابل قائمة شروط أفقدتها هويتها في النهاية طبعًا). وهذه من أهمّ الأسباب التي تجعل خيار التطرف خيارًا "عقلانيًا" عند المضطَهدين (بمعنى عقلانية الأداة في تحقيق الهدف).

إذا تجاوزنا التصوير المقصود للخصم بوصفه متطرفًا وللذات بوصفها معتدلة، يمكن التفكير بصفة جوهرية تميز التطرف في وضعٍ قائمٍ ما هو وجود هدف إمّا أن ينفّذ دفعة واحدة أو لا ينفّذ؛ فالمراحل الانتقالية إليه هي جزء منه. ولا توجد مراحل تقود إليه وتقع ضمن الوضع القائم. ومن هنا فإنّ أيّ خطوة للوصول إليه تعني نفي الوضع القائم، وغالبًا ما تميل إلى اتخاذ شكلٍ عنيف. ومن زاوية تاريخية يمكن القول إنّ الوضع القائم الذي لا يتيح للقوة الناقدة أو المختلفة خيارًا آخر يتحمّل المسؤولية عن ذلك، ويمكن القول أيضًا إنّ طبيعة أهداف هذه الجماعة تتحمّلها. الحكم هذا بحدّ ذاته ليس حكمًا علميًا، بقدر ما هو حكم الذي يخرج رابحًا من الصراع في النهاية.

ليس هذا التعريف حكمَ قيمة معياريًا، بل هو تحديد أقلّ نسبية فقط. وبهذا المعنى يُعدّ الفاشي ضد الديمقراطية متطرفًا، مثلما يعدّ الموقف الديمقراطي ضد نظام شمولي متطرّفًا لأنّه نفي للوضع القائم، ولأنّه لا مراحل انتقالية نحو الديمقراطية في نظامٍ شمولي إلا إذا توقّف عن أن يكون شموليًا.

والسؤال الكبير الذي تواجهه المجتمعات المعاصرة في مسألة التطرف، هو: كيف تصل جماعات من البشر إلى درجة قطع الجسور مع الواقع القائم، ومواجهته بأساليب عنيفة؟ وبرأينا فإنّ البحث في الفكر ذاته للتوصّل إلى إجابة عن هذا السؤال غير مُجدٍ، سواء أكان الفكر هذا قوميًا أم دينيًا أم طبقيًا أم غيره. ليست المشكلة في الهدف أو الفكرة بحدّ ذاتها. فقد نجد آخرين يتبنّون الفكر ذاته ويعدّونه مع ذلك "أوتوبيا" غير قابلة للتطبيق في الواقع الراهن، ويستنتجون من ذلك عدم اتخاذ خطوات عملية سوى التثقيف عليه؛ ويتبنّاه غيرهم من دون حتى أن يعمل في السياسة؛ وتعدّه جماعات أخرى أهدافًا نهائية ومُثًلا عليا فقط... ليس كلّ من يؤمن بالهدف ذاته يحاول تطبيقه دفعةً واحدة أو بالعنف. وليس كلّ من يسعى إلى تطبيقه بالعنف يلجأ إلى قتل المدنيين دون تمييز. وليس كلّ من يسعى إلى قتل المدنيين دون تمييز جاهزًا للقيام بعملية انتحارية. وهكذا... وبرأينا لا يمكن استنباط أيّ من هذه الممارسات من الفكرة ذاتها، فلا علاقة مباشرة بين الفكرة، أيّ فكرة، والعمل، أيّ عمل. ثمة دوافع عاطفية ووجدانية لا عقلانية للفعل تتفاعل مع ظرف اجتماعي معيّن، وبيئة ونشأة، وغيرها. وتأثير هذه كلّها في فعل الإرادة، أهمّ من تأثير أيّ فكرة في الممارسة. ونحن هنا لا نخترع شيئًا جديدًا. بل نتّفق مع ما نظّر له الفيلسوف ديفيد هيوم قبل قرنين ونصف، ويكمن في أنّ العقل عبد للعاطفة حين يتعلق الأمر بفعل الإرادة.

أبعاد اجتماعية نفسية

لنأخذ مثلًا دافع البحث عن جماعة حميمية بديلة للجماعة الوشائجية المنهارة في أزمنة الحداثة، أو نتيجة لفقدان المعنى في فردية المجتمع الحديث وغيرها. الانضمام إلى جماعة تمنح المعنى البديل في هذه الحالة، هو الدافع لتبنّي الفكر المتطرّف. والتماهي مع الجماعة يعطّل الروادع عن ارتكاب أفعال متطرفة. لا ينضمّ الأفراد إلى حركة متطرفة لأنّهم يؤمنون بأفكارها فقط، وإنّما بحثًا عن التماسك الاجتماعي والتضامن؛ والعكس صحيح؛ بمعنى أنّ من ينضمّ إلى حركة كهذه غالبًا ما يؤمن بأفكارها حتى لو لم يكن الفكر هو الدافع للانضمام إليها. وهنا يصبح المميّز الأهمّ لهذه الحركات هو التضامن والتماسك الداخلي الذي يؤدي وظيفة اجتماعية بالضرورة تغدو معها الجماعة مجتمعًا أخويًا مصغّرًا، والإيمان المشترك بأفكار "متطرفة"، لا سيّما حين تكون تلك الحركات "أخويات" عقائدية، أو حركات صغيرة تتبع نمط حياة محدّدًا. في مثل هذه الحالة يهمّنا طبيعة النظام السياسي الاجتماعي الذي يدفع الفرد إلى اللجوء إلى الجماعة الجديدة أكثر من  طبيعة الفكر الذي تتبنّاه الجماعة؛ فالإنسان يذهب إلى الجماعة ويتبنّى فكرها، وليس إلى الفكر ليتبنّى الجماعة التي تؤمن به.

ولا يصحّ نعت وسائل عمل هذه الجماعات باللاعقلانية. إذا افترضنا أنّه لا يمكن تصنيف الغايات أو الأهداف بوصفها عقلانية أو غير عقلانية؛ بمعنى أنّه يجب أن نتعامل معها بوصفها معطى. فإنّ ما يعدّ عقلانيًّا أو غير عقلاني هو الوسائل للوصول إلى هذا الهدف. وبهذا المعنى فإنّ وسائل المتطرفين هي وسائل عقلانية للوصول إلى هدفهم. ما يمكن تصنيفه "متطرفًا" في سياق اجتماعي تاريخي محدّد هو الهدف؛ فالهدف الذي يسعون إليه يقع خارج الإجماع أو المقبول في المجتمع في ظرفٍ تاريخي معيّن. وقد يكون التطرّف يمينيًا أو يساريًا، دينيًا أو وطنيًا أو قوميًا، وحتى تطرّفًا أمنيًا أو اقتصاديًا.

غالبًا ما يتبنّى أصحاب الأهداف "المتطرفة" وسائل "متطرفة" أيضًا؛ وذلك حين لا يوجد ما يفصل الأهداف المرحلية عن الأهداف النهائية. في مثل هذه الحالة لا يمكن أن يكون هناك تدرّج. وعليه، تكون الأساليب "متطرفة" ثورية انقلابية عنيفة. ويكون الصراع مع معارضي هذا الهدف النهائي حتميًا؛ إذ لا يمكن أن توجد مرحلة انتقالية نحو الهدف النهائي يمكن الاتفاق عليها مع خصوم هذا الهدف.

"
النظام الشمولي فقائم على محاولة منح الفرد معنى بديلًا وجماعة بديلة في الدولة أو الأمة أو الحزب وغيره. وتمنع السيطرة الأمنية الشاملة أيضًا وجود جماعات بديلة
"
يبدو أنّ ما يشدّ الانتباه أكثر من غيره في جميع مميزات الحركات الإرهابية في عصرنا، بما في ذلك الأهداف "المتطرفة" ووسائل العمل "المتطرفة" مثل الخطف وقتل المدنيين وغيرها، هو الطابع الانتحاري للعمليات الذي يبدو للعقلية الغربية الراهنة غير منطقي وغير مفهوم؛ بمعنى أنّ الإنسان الغربي في عصرنا لا يتخيّل نفسه قادرًا على فعل شيء كهذا. ليس قتل المدنيين بحدّ ذاته، بل إنّ العنصر الذي يبدو غير منطقي وغير متوقَّع وصادمًا بالخصوص، هو التضحية بالنفس . وتقوم هذه الذاكرة على دينامية النسيان والتذكّر. وهي دينامية انتقائية؛ أي نسيان انتقائي وذاكرة انتقائية؛ فالتضحية بالنفس معروفة في الحركات القومية، وفي جيوش الدول الديمقراطية، حيث تعدّ التضحية من أجل الوطن، أو في الدفاع عن الديمقراطية فضيلة.

هنا يجب الفصل بين دوافع القادة في الحركات السياسية المتطرفة ودوافع الأتباع. والدافع الرئيس للأتباع هو التضامن والانتماء. وهو في الحالات الانتحارية يصل إلى درجة الذوبان الذاتي في الجماعة. وإضافةً إلى التماهي مع الجماعة والتخلّي عن الاستقلالية الشخصية في مقابل التضامن والانتماء إلى الجماعة أو الأخوية، لا شكّ في أنّ توقّع أنّ الفعل يؤثّر أو يفيد في الوصول إلى الهدف النهائي هو من أهمّ الدوافع للتضحية بالنفس. وبهذا المعنى فإنّ ثمة أمرًا ما عقلانيًا في هذه الخطوة. والعقلانية المقصودة هنا هي بمعنى حسابات العلاقة بين الهدف والوسيلة.

ويؤدّي التضامن إلى تقوية مشاعر الانتقام في حالة موت صديق أو رفيق أو قريب. والقدرة على تنفيذ فعل الانتقام بدعم جماعة تدفع لهذا وتبرّره. وغالبًا ما يكون الدافع إلى القيام بعملية انتحارية هو صدمة موت صديق أو قريب قتَله العدوّ الذي تُنفَّذ ضده العملية. في هذه الحالة تعزز الجماعة القدرة على الثأر، وإيجاد معنى في الموت في الوقت عينه.

وتقود صعوبة التغلّب على هذا النوع من "الإرهاب" بالحرب والعنف، إلى استنتاج ضرورة استخدام وسائل أخرى؛ منها تقسيم ما يبدو وكأنّه غير قابل للانقسام في غايات هذه الحركات، بحيث يمكن تزويد الأفراد بمنجزات جزئية منها على الأقل  والتخلّي عن الفعل المباشر للوصول إلى الأهداف "المتطرفة" بمعنى التي لا تتجزأ، ولا تقود إليها مراحل.

في الديمقراطيات يقلّ عدد الباحثين عن جماعة يلجأون إليها لحمايتهم. والنظام الديمقراطي يسمح بوجود أنواع مختلفة من الجماعات الطوعية وغير الطوعية التضامنية التي يلجأ إليها الفرد في ظل النظام نفسه. وتبقى هناك مع ذلك استثناءات. أمّا النظام الشمولي فقائم على محاولة منح الفرد معنى بديلًا وجماعة بديلة في الدولة أو الأمة أو الحزب وغيره. وتمنع السيطرة الأمنية الشاملة أيضًا وجود جماعات بديلة.

في المقابل، فإنّ النظام السلطوي الرثّ يحطم انتماءات الفرد القائمة، ولا يحميه بحقوق المواطن. وهو خلافًا للنظام الشمولي، لا يمنح الفرد انتماءً لجماعة بديلة.

الأنظمة السلطوية، لا الديمقراطية ولا الشمولية، هي الأكثر قابلية لإنتاج الهروب إلى الجماعات المتطرفة المغلقة التي يتماهي معها الفرد. وهي الأكثر قابلية لإنتاج الإرهاب الذي يستخدم العمليات الانتحارية. ومن هنا فإنّ الديمقراطية هي بالتأكيد إحدى الطرق لحلّ مشكلة الإرهاب والطابع الانتحاري . وهي لا تلغي هذه المشكلة لكنّها تحجزها في حيّز محدود وضيّق يبدو منحرفًا عن الإجماع العام الاجتماعي والفكري والسلوكي والأخلاقي العام.

يرى سيمور ليبسيت أنّ الديمقراطية مرتبطة بالعقلانية المركّبة، وأنّ التطرّف ينتشر حيث تنخفض مستويات التعليم وتنتشر الثقافة غير العقلانية. وعليه، فإنّ الطبقات الفقيرة عنده معرّضة أكثر للفكر المتطرّف وأقلّ قدرةً على استيعاب الفكر والممارسة الديمقراطيَّين . وقد استندَت إلى هذا المنهج نفسه تياراتٌ فكرية عديدة رأت أنّ فئات الشعب البسيطة والفقيرة معرّضة أكثر لدعاية الأحزاب الشمولية والفاشيّة وغيرها رأى ممثّلوها التطرّف ناجمًا عن تفكّك العلاقات بين الأفراد واقتلاع الفرد من جذوره الاجتماعية، والقلق الناجم عن فقدان معنى الوجود وغير ذلك. وهي أيضًا الفئات نفسها المعرّضة إلى أبوية القائد.

استُخدمت هذه النظريات في السابق لفهم انجذاب الطبقات الفقيرة والمعدمة للحركة النازية في ألمانيا وإيطاليا. وجرى تطبيقها لاحقًا في العديد من دول العالم النامية، ولا سيّما في حالة انجذاب طبقات فقيرة في دول أميركا اللاتينية والعالم العربي مثلًا للحركات القومية المتطرفة، أو اليسار المتطرف، أو الحركات الدينية المتطرفة. وقد جرى فحص هذه الفرضيات وتبيّن أنّها خاطئة عدّة مرات؛ إذ تبيّن أنّ من ينجذب إلى مثل هذه الحركات هو غالبًا من الطبقات الوسطى والمتعلمة تحديدًا، وأنّ الفئات الفقيرة قد تنجذب إلى هذه الحركات إذا زوّدتها بشبكات من الخدمات الاجتماعية البديلة التي لا تزوّدها بها الدولة، وأنّ الأمر متعلّق بأنواع التنشئة الاجتماعية والانكشاف لأفكار مختلفة . إنّ التفكك الاجتماعي وفقدان الغاية والبحث للتعويض عنه في مواضع أخرى غير الجماعة التي تفكّكت في الحداثة، ليست من نصيب الفئات الفقيرة فقط.

تتكرّر في عصرنا التساؤلات بخصوص ما يدفع فئة الشباب، بما في ذلك الفئات المتعلمة والميسورة إلى أحضان الفكر الراديكالي، وأحيانًا الحركات المتطرفة. ويطرح هذا في العصر الراهن بشأن اكتشاف أنّ من نفّذ عملية إرهابية هو شاب متعلم أو مُنتمٍ إلى عائلة غير فقيرة، وأنّ من ينضمّون إلى الحركات المتطرفة غالبًا ما لا يكونون من الفقراء المسحوقين. وغالبًا ما يستحضر هذا دليلًا نافيًا نظرية أنّ مصدر التطرف والإرهاب المرتبط به هو الحرمان واليأس والإحباط. ولا يخطر ببال من يستخدم ذلك في التفنيد أنّ عوامل الحرمان واليأس والإحباط لا تكون بالضرورة مادية، أو مقصورة على الفئات الفقيرة، بخاصة حين يتعلق الأمر بقضايا مثل الهوية الذاتية والجماعية، والمعنى في الحياة.

وكما تنتشر اليوم الأدبيات التي تتناول سبب جاذبية الحركات المتطرفة بخصوص الحركات الإسلامية، فإنّها انتشرت في النصف الثاني من القرن الماضي، لا سيّما بخصوص جاذبية حركات اليسار المتطرف لفئة الشباب في دولٍ غنية، ومن طبقات ميسورة بالذات؛ إذ جذبت الحركات اليسارية المتطرفة أوساطًا من فئة الشباب من الطبقات الميسورة في مجتمعات الوفرة في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية. وقد أُلّفت العديد من الأبحاث عن هذه الظاهرة، لا سيّما في ستينيات القرن الماضي. وفُسّرت بأنّ الحداثة تتيح العديد من الإنجازات، ولكنّها تقوّض في الوقت ذاته الأسس النفسية للوجود الإنساني، لا سيّما مسألة المعنى في الجماعة والعائلة والوطن والدين. إنّ فقدان المعنى الناجم عن مأزق هذه الكيانات الجماعية يؤدي غالبًا إلى فقدان الغاية/ المعنى في الحياة والبحث عنه في جماعات تعاضدية "أخوية" أصغر يجمعها هدف سامٍ، أو تتجنّد في خدمة غاية أعلى من ظروف الحياة الراهنة؛ فالجماعات المتطرفة في هذه الحالة تملأ مكانًا شاغرًا في النفوس البشرية.

"
لا ينجذب أيّ شخص للحركات المتطرفة التي تقدّم حلولًا جذرية قصوى للقضايا كافة. وينجذب بعض الناس قبل غيره. ويتحمّس بعضهم من جراء الانفعال بالمشهد الإعلامي الذي ينتجه المشهد في النظام الشمولي، أو يجذبهم حين يخاطب غرائزهم ومخاوفهم
"
المسألة هنا متعلقة بملء الفراغ النفسي والروحي الناجم عن صيرورات الحداثة وفقدان الغاية والمعنى في الحياة. وهذا ينجم عن تفكك الجماعة الوشائجية أو عن التغيرات السريعة الكارثية غير القابلة للاستيعاب والتي يرافقها تخلخل كلّ ما هو معهود ومألوف، بما يسمح بتكوّن تعاضديات "أخوية" جديدة تحاول أن تتخطّى تفكّك التعاضديات السابقة المتفككة أو المنحلّة؛ أو عن ازدياد الفجوة بين المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام السياسي الاجتماعي القائم من جهة والممارسات السائدة من جهة أخرى، في ما يمكن أن يسمّى النفاق والكذب العمومي. لا تختص هذه الحالات بالبنى الحديثة فحسب. فقد يحصل الانهيار في الجماعات "العضوية" في المجتمعات التقليدية، وكذلك ابتعاد نظام سياسي معيّن في سلوكياته عن المبادئ الأساسية التي تربّى عليها الناس مصدر شرعية للنظام، ونشوء التناقض الحاد بين أسس التنشئة الاجتماعية ومبادئها والواقع الذي يعيش فيه الفرد من ناحية أخرى.

وثمة حالات تنجح فيها قوى سياسية في منح شعور المعنى والانتماء إلى جماعات أكبر مثل الأمة والقومية والطبقة وغيرها، وكذلك في الأنظمة الشمولية بصورة عامة، حيث تمنح الأيديولوجية الشعبوية سعادة في مجموعات أكبر تخدم غاية أعلى من الوجود الشخصي الذاتي، ومن شروط إنتاجه المادية . بل حاولت بعض الحركات الشمولية الكبرى أن تطرح علم جمالها وعلم أدبها وعلم أخلاقها وعلم تاريخها. ولكن لا تنجح كلّ الحركات في تحقيق السيطرة على الدولة والمجتمع. ويكتفي العديد منها بمنح المعنى عبر الإيمان بالهدف الأعلى المشترك الأسمى من واقع الإنسان المتخلخل والفاقد المعنى، وكذلك في الانتماء والتضامن داخل الجماعة الصغيرة ذاتها. ويجري التضامن غالبًا عبر التماهي مع قائد الجماعة هذه، والذي تتمتع نماذجه الكبيرة بقوّتها الكاريزمية بوصفها حاملة رسالة ورؤية وإرادة للتغيير.

ولا ينجذب أيّ شخص للحركات المتطرفة التي تقدّم حلولًا جذرية قصوى للقضايا كافة. وينجذب بعض الناس قبل غيره. ويتحمّس بعضهم من جراء الانفعال بالمشهد الإعلامي الذي ينتجه المشهد في النظام الشمولي، أو يجذبهم حين يخاطب غرائزهم ومخاوفهم. ويمنحها التماسك عبر بلاغته المحايثة للخطاب الشمولي. ولكن ثمة أشخاص لديهم قابلية نفسية للانجذاب إلى هذه الأفكار منذ البداية، ولا سيّما من ذوي البنية النفسية "القابلة للتطرف"؛ فقد يدفع إلى التطرف عند ذوي النفوس الحساسة، لا سيّما في فئة الشباب، نفورهم من الفجوة القائمة بين القول والفعل، وغياب القدوة، ونسبية الأخلاق في تعامل الأوساط المهيمنة في المجتمع، وبحث هؤلاء عن مرجعية مطلقة يستندون إليها ويتمسكون بها.

خذ مثلًا من تربّى على أفكار ديمقراطية الآباء المؤسسين ووثيقة إعلان الاستقلال أساسًا للنظام القائم في أميركا، وذلك في ظل هيمنة ثقافة دينية، ثم اكتشف الفجوة بين فكرة حرية الإنسان الديمقراطية، وقيم المسيحية من جهة، وفكرة العبودية في القرن التاسع عشر من جهة أخرى، وبين فكرة حق الشعوب في تقرير المصير وممارسات الدول الغربية في المستعمرات... أو بين الممارسات الهمجية للعبودية من جهة، وقيم الدين المسيحي الذي يؤكّد المساواة بين البشر. هنا نجد المبرر ليس للانتفاض ضد العبودية فقط، واستخدام العنف ضد المدافعين عنها، بل تضاف إليه فكرة دينية هي التطهر والخلاص بسفك الدم عبر التضحية بالنفس، كما في حالة يسوع المسيح عند جون براون الشهير الذي بدأ صراعه العنيف ضد نظام ملكية العبيد في أميركا الشمالية خارج القانون، قبل بداية الحرب الأهلية، وعُدّ عنفه هذا مقدمة لها.

وخذ أيضًا من نشأ على فكرة أنّ الإسلام نمط حياة وطريقة حكم مصدر شرعية للنظام في المملكة العربية السعودية أو إيران، ثم بدأ يكتشف أنّ الحكام يتحللون من هذه المبادئ في حياتهم الشخصية الباذخة، وفي إدارة الدولة أيضًا، وفي التعامل مع الدول الغربية.

ويمكن إضافة أمثلة أخرى من هذا النوع بخصوص التناقض بين الفهم الذاتي للنظام السياسي والاجتماعي والذي جرت تنشئة الأفراد بموجبه من جهة، والممارسة في واقع الأنظمة البائس من جهة أخرى. وليس الفرق في الدافع إلى التطرف هنا جوهريًا. المهمّ هو وجود من لديهم القابلية للعودة إلى المبادئ الأساسية والدخول في صراع مع الوضع القائم، وفي الوقت ذاته الدخول في جماعات تُتيح ملاذًا وهويّة.

وليست الدوافع دومًا متعلقة بالفجوة هذه، والتي قد تؤسس لفعل يبدأ متطرفًا وينتهي ثوريًا يفرض نفسه بقوة، ويتحول حتى إلى تيار رئيس لاحقًا. فثمة دوافع يصعب أن تنتج أمرًا إيجابيًا وهي قائمة في النفوس ذات "القابلية للتطرف" لأنّها لا تستطيع التعايش مع التناقضات أو مع الألوان المختلفة، ولا تحتاج إلى تساوٍ كاملٍ بين الفعل والقول فقط، وإنّما أيضًا إلى لونين فقط "مع أو ضد"، "أبيض أو أسود"، وهكذا. فهذه النفوس لا تحتمل الألوان، ما يقود إلى كوارث، بغض النظر عن الدوافع. فالحياة مركّبة ومليئة بالتناقضات.

وأحيانًا، يجري التعامل مع العلم ذاته بهذه الطريقة؛ فإذا تقاطعت بنية شخصية متطرفة مع اكتشاف المعرفة العلمية بوصفها مفتاحًا لفهم الكون والمحيط والبيئة والنفس والجسد، فإنّها تحاول أن تقولب كلّ شيء بقالب علمي، وأن لا تقبل بكلّ ما يرفض أن يتقولب في معادلات علمية، ما ينتج القابلية للاعتقاد بالأيديولوجيات التي تدّعي أنّها أيديولوجيات علمية. والأهمّ من هذا وذاك هو حاجة الأفراد إلى ملء الفراغ النفسي والروحاني اللذين يسبّبهما تحلّل الحياة من المعاني والغايات في العالم الحديث.

ثمة فرق بين رفض النفاق الذي يتناقض فيه القول والفعل، ولا يختلف فحسب من جهة، وعدّ كلّ حياة مع المتناقضات والاستعداد لصنع التسويات والحلول الوسط نفاقًا، من جهة أخرى. وفي عرف المتطرّف تعدّ كلّ حياة مع المتناقضات نفاقًا. مثلما أنّه في عرف الانتهازي يبدو كلّ رفض للنفاق الذي يتناقض فيه القول والفعل، تطرفًا. ولهذا يبدو حَمَلةُ الأيديولوجية المتطرفة وكأنّهم يصفون الأشياء كما هي من دون تجميل، ولا يخشون أن يعبّروا بصريح العبارة عن أفكارٍ غير مريحة قد يفكّر فيها الآخرون بصمت أو يخفونها. فتبدو هذه "الاستقامة" جذابة، لفئة الشباب، ولا سيّما الذين يرفضون أيّ تركيب وتعقيد وينسبونه إلى الزيف والنفاق والكذب. ولا تلبث أن تؤدي هذه الأفكار إلى كوارث لأنّها غير قابلة لقبول الحلول الوسط عمومًا، ولا حتى للتعايش مع طبيعة البشر، والتركيب المعقّد للمجتمع.

من مميزات ما يعدّ تطرفًا في هذا السياق النظر في عين الحقائق من دون تعديل أو تجميل، والحديث عنها بما هي من دون عوامل أخرى أخلاقية أو غيرها، وكذلك اختيار الأساليب في خدمة الهدف والتعبير عن هذا الهدف بوضوح. ومن أهمّ مميزات الموقف المتطرف الذي قد يكون براغماتيًّا أيضًا، تحييد الأخلاق تمامًا والاعتراف بحقيقة ما يقوم به فعلًا دون تجميلٍ أو مواربة. ولهذا أيضًا يبدو المتطرف بمعنى ما غير متناقض أو غير منافق. وأعتقد أنّ هذه من أهمّ أسباب انجذاب أوساط من الجيل الشاب تحديدًا للتطرف، لأنّها تنفر من التناقض بين القول والفعل، وترى في المواقف المتطرفة استقامةً وقولًا للحقيقة وابتعادًا عن النفاق.

وهذا ما أودّ التركيز عليه في فهمي للتطرف. ولكي أوضح ما أقصد، أجلب هنا مثالًا من ماضٍ مازال راهنًا.

لقد انشقّت الصهيونية حول الحلول الوسط والمساومة مع الإنكليز والمجتمع الدولي للتوصّل إلى إقامة كيان دولة يهودية. وثمة قوى في الحركة الصهيونية تمسّكت بفكرة "أرض إسرائيل الكاملة"، وهي المسماة مدرسيًا بالصهيونية التصحيحية أو التنقيحية، ولم توافق على التخلّي عن السلاح بعد النكبة وقيام الدولة اليهودية. ولكن الخلاف في التفكير بين النفاق والتطرف بدا واضحًا في البدايات، حين عدّ جابوتنسكي ترويج الصهيونية عن ذاتها أنّها ليست ضد العرب، وأنّ وجود دولة يهودية قد يفيد تقدّمهم الاقتصادي والحضاري، وغير ذلك من محاولات تجميل الحقيقة. وفي مقالة له عام 1923 بعنوان "أخلاقيات الجدار الحديدي" كتب جابوتنسكي مؤسس التيار "المتطرف" في الحركة الصهيونية أنّ العرب أمّة مثل بقية الأمم، وأنّ الصهيونية سوف تصادر منهم الأرض، وأنّهم سوف يقاومون. ومن حق الصهيونية فرض الهدف الذي تؤمن به بالقوة، حتى لو بدا فرضه على العرب الذين لا يمكن إقناعهم به غير عادل. فهو هدف عادل من ناحية الصهيونية. وإذا كان واضحًا أنّ العرب سوف يقاومونه، فيجب أن يكون واضحًا أيضًا أنّ الصهيونية سوف تفرضه بالقوة على الأكثرية التي تقطن البلاد. وفرضه بالقوة لا يقلّل من عدالته.

"
يختلف الدين أيضًا عن الأخلاق. والاختلاف هذا قائم أو مفتوح على درجات من التطابق وحتى التناقض. والدرجة التي أتحدث عنها هي درجة عدم منح أيّ أهمية للقيم والمعايير الأخلاقية، وعدّ أخذها في الحسبان على مستوى الفعل أو اللفظ نفاقًا ومسًا بحقيقة الدين المطلقة
"
جرى هنا التصريح بالهدف الذي ينفي الوضع القائم بصورة واضحة. كما جرى تحييد الأخلاق تمامًا، والاستعاضة عنها بأنّ الأخلاق هي تحقيق هذا الهدف. ومن هنا أصل إلى ما أحاول الوصول إليه. إنّ كلّ تعريف للتطرف من دون البعد الأخلاقي في مرحلة تاريخية ما، هو تعريف نسبي لا يرتبط بالهدف والوسيلة، بل بموقع حامله في النظام الاجتماعي - السياسي القائم.

والطريقة الوحيدة للحكم على التطرف بصورة عامة، هي هذا النظر في الظواهر من منطلق مبدأ ما، أو فكرة ما تتناقض مع الواقع القائم، وتنفيه. ولكن هذا لا يكفي. فالتطرف هو الذهاب إلى الحد الأقصى في استنتاج ما يجب استنتاجه من هذا التضارب بين الفكرة والواقع القائم. يذهب الاستنتاج إلى أقصاه من دون أخذ أيّ شيء آخر في الحسبان، لا مبادئ العدل، ولا الأخلاق، ولا حقوق الإنسان؛ أي إنّ تطرف الفكرة سواء أكانت دينية أم قومية أم طبقية، أم رأس مالية أم اشتراكية، يجعلها مطلقةً إلى درجة رفعها فوق العوامل الأخلاقية، وجعلها أكثر قدسية منها. وعليه، منح الذات حق تجاوز الأحكام الأخلاقية وعدّها ثانوية. إنّ إطلاقية الهدف هي التي يفترض أن تحلّ محلّ الأخلاق هنا.

قد يقول قائل إنّ هذا ما يميز السياسة عمومًا عند مكيافلي وغيره. فأجيب أنّ ثمة فرقًا بين الأخلاق والسياسة، هذا صحيح، وبهذا مكيافلي محقّ أيضًا. ولكن تحليلي هذا أعلاه هو ما يجعل مكيافلي حالة "متطرفة" من الفصل بينهما برفعه السلطة فوق أيّ عامل أخلاقي، وتصفيره العوامل الأخلاقية تمامًا في الصراع على السلطة، ومكملي طريقه في نظرية الدولة الذين يعدّون الدولة هي التجسّد الموضوعي للأخلاق العامة. ويكمن الفرق بين التطرف في السياسة الرسمية هذه من جهة، وتطرف الحركات والتيارات من جهة أخرى، في أنّ الحكام لا يرفعون فكرة ما، بل السلطة ذاتها، فوق أيّ عامل أخلاقي.

هذا هو بالضبط ما يفعله الحكّام، والذي يجعلهم بنظري أكثر أو أقلّ تطرّفًا على إحداثية التمايز القائم دائمًا بين السياسة والأخلاق.

ويختلف الدين أيضًا عن الأخلاق. والاختلاف هذا قائم أو مفتوح على درجات من التطابق وحتى التناقض. والدرجة التي أتحدث عنها هي درجة عدم منح أيّ أهمية للقيم والمعايير الأخلاقية، وعدّ أخذها في الحسبان على مستوى الفعل أو اللفظ نفاقًا ومسًا بحقيقة الدين المطلقة؛ فالدين من هذا المنظور لا يتبع الأخلاق، وليست له وظيفة أخلاقية، بل إنّ تنفيذ تفسيرات جماعة محددة الدين، والسلوك بموجب هذه التفسيرات، هو الأخلاق، حتى لو كان تنفيذها يعني الدوس على الأخلاق، واستخدام الكذب والسرقة وقتل الأبرياء، وكلّ ما ينهى عنه الدين ببعده الأخلاقي. فهنا لا يُكتفى بالفصل بين السياسة والأخلاق، أو بين الدين والأخلاق، بل تُعتمد منظومة أخلاقية جديدة يحكمها الهدف الأسمى.

"
الاعتدال بوصفه مصطلحًا غير نسبي يتجاوز الوصف الذاتي عند ذمّ الخصوم، هو ضبط السلوك الإنساني (السياسي، وغير السياسي) بمعايير الأخلاق، ودمج البعد الأخلاقي فيه، بحيث تجري موازنة ما، بدرجة ما بين الضرورات العملية والمعايير الأخلاقية
"
من يرفع فكرةً ما، حتى لو كانت دينية، فوق أيّ معايير أخلاقية، ولا يأخذ الأخلاق في الحسبان عند استنباطه ممارسات معيّنة من التناقض بين الفكرة هذه والواقع، هو متطرف. يستحق هذا التحديد الجديد الذي تأتي به هذه الورقة أن يعدّ تحديدًا نظريًا للتطرف.

كثيرًا ما يُستحضر ابن تيمية مثلًا في تعليل فتاوى تكفيرية، ولتبرير الخروج على الحاكم في عصرنا. وثمّة تقييم تاريخي بأنّه يصعب عدّ فتاوى ابن تيمية متطرفة في عصره. وأنّ فتاواه المحددة التي تعدّ متطرفة اليوم كانت من نوع الخطب لتجييش الناس في زمن الحرب، والتي قد يستخدمها أيّ تيار مركزي في عصرنا عند التحشيد في الحرب ضد "أعداء الوطن". وفي حالته كان التحشيد للجهاد ضد المغول عند اجتياحهم سورية في إطار ثقافة دينية، والتكفير في ذلك السياق يشبه التخوين في عصرنا. كان ابن تيمية متطرفًا بمعنى رفضه تناقض واقع المسلمين مع شرع الإسلام. ولكنّه عمومًا كان حذرًا في تكفير المسلمين مع أنّه وضع الأساس لفكرة تكفير الحاكم المسلم وإجازة الخروج عليه في سياق الحفاظ على وحدة الأمة من تأثير المغول . ومن مظاهر براغماتية ابن تيمية أنّه عدّ خدمة يوسف لفرعون خدمةً لقضية العدل؛ أي إنّه كان مستعدًا لتفهّم أوضاع المسلمين في مجتمع غير مسلم والحلول الوسط التي يضطرون إلى القيام بها. فمنطق الفتاوى عنده مرتبط في النهاية بوحدة الأمة، بوصفها أمة إسلامية. ولكنها تبدو في عصرنا فكرة متطرفة جدًا، ولا سيّما بعد تأسيس الدول وتغيّر مفهوم الأمة وعلاقتها الوطنية والمواطنة. لقد أصبحت مصطلحاته في عصرنا تستخدم في تبرير الخروج على الدولة ككلّ، وعلى الولاء للوطن، وليس على الحاكم وحده. هل تطرّف أفكار ابن تيمية، على سبيل المثال، أمر نسبي إذًا؟ هذا صحيح. إنّ تطرف ابن تيمية كما يبدو في التحليل الموجز أعلاه هو تطرف نسبي من منظور عصرنا. ولكنّه يصبح متطرفًا بحكم التعريف إذا أخذنا عنصرًا واحدًا مهمًا في الحسبان، أنّ الأخلاق عنده تخضع لهذه الأحكام، وما يترتب عليه مبرّر عنده حتى إذا كان القتل. فهو قتل كفّار. ولا يوجد معيار أخلاقي خارجه يحتكم إليه. هذا المشترك الذي يغيّب المعايير الأخلاقية هو ما يمكّننا من الحكم عليها متطرفة في ما يتجاوز النسبة إلى المكان والزمان.

وسأذهب أبعد لتوضيح ما أقصده. قد تكون الفكرة التي باسمها يجري تهميش المعايير الأخلاقية وتجاوزها، فكرةً أخلاقيةً بحدّ ذاتها؛ فقد يدفع التزمّت الأخلاقي نفسه إلى تهميش الأخلاق عند فرض ذاته في عملية حلّ ما يعدّه تناقضًا كاملًا للفكرة الأخلاقية مع الواقع القائم غير الأخلاقي.

الاعتدال بوصفه مصطلحًا غير نسبي يتجاوز الوصف الذاتي عند ذمّ الخصوم، هو ضبط السلوك الإنساني (السياسي، وغير السياسي) بمعايير الأخلاق، ودمج البعد الأخلاقي فيه، بحيث تجري موازنة ما، بدرجة ما بين الضرورات العملية والمعايير الأخلاقية، مهما خضعت اعتبارات السياسة للضغوط العملية. وتتفاوت السياسات بحسب درجة أخذ المعايير الأخلاقية في الحسبان في هذا التفاعل بين النشاط الإنساني بحدّ ذاته لنيل غاية محددة والأخلاق بحدّ ذاتها. إنّ إخضاع الأخلاق لفكرةٍ أسمى منها إلى درجة عدّ كلّ ما يخدم هذه الفكرة فضيلة تؤدّي الغرض وتقوم بوظيفة الأخلاق، قد يمنح الإنسان بديلًا منها إلى درجة تعطيل ضميره. ينتج هذا الإخضاع الظاهرة التي تستحق أن تسمّى تطرفًا. فابن تيمية ينتمي إلى نمط تفكير فقهي يرى أنّه لا توجد معايير أخلاقية يحاسب بموجبها الفعل؛ فثمة دائمًا مبدأ ما في الشريعة الدينية يشتقّ منه ما يجب عمله، وتخضع له الأخلاق. وثمة أنماط أخرى من التدين الشعبي والمؤسسي وحتى الأصولي تنطلق في فهمها الدين من منطلقات أخلاقية، أو على الأقل تمنح القرار الأخلاقي استقلالية أكبر.

الهدف السياسي المتطرف هو الذي ينفي الواقع المناقض للفكرة. ويُعدّ لدى الساعين إليه بديلًا للأخلاق، ويشغل مكانة مبدئها الأعلى، بحيث تشتق منه، أو هو هدف يخضع الأخلاق له بصورة كاملة، بحيث لا يتمتع الخيار الأخلاقي بأيّ استقلالية عن الهدف السياسي.

إنّ التصنيف الوحيد غير النسبي للتطرف هو عدّ الهدف مطلقًا فوق المعايير الأخلاقية التي تعدّ نسبية قياسًا به، وغيابها أيضًا عن العلاقة بين الهدف والوسيلة. لا أرى تصنيفًا آخر كونيًا للظاهرة. تنطلق التصنيفات الأخرى من إدانة الخصم أو تشويهه، أو من موقعه في مقابل ما يسمّى في مرحلة تاريخية محددة اعتدالًا وسطًا، كما أنّ هذا التحديد لا يعفي الدول، ولا يقتصر على إقصاء حركة أو فكرة أو أيديولوجية بعينها. وهي تضع لنفسها مصطلحها الأداتي النسبي في التطرف.

*هذه الدراسة منشورة في العدد 14 من مجلة "سياسات عربية" (أيار / مايو 2015، الصفحات 5- 18)، وهي مجلة محكّمة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية والسياسات العامة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات كل شهرين.

للاطلاع على نسخة الـpdf، انقر هنا


عزمي بشارة على تويتر


 


روابط مفيدة